عبد الملك الجويني
11
الشامل في أصول الدين
فصل [ حدث العالم والعلم به ] فإن قال قائل : إذا نصبتم دليلا في حدث العالم ، فالمدلول حدث العالم أو العلم بحدث العالم . قلنا : هذا مما اختلف أرباب الأصول فيه . فذهب بعضهم إلى أن مدلول الدليل العلم بحدث العالم . وذهب آخرون إلى أن العلم حدث العالم نفسه . ثم من أحاط بتعلق الدليل بالمدلول اقتضى له ذلك العلم بالمدلول . ومن زعم أن المدلول هو العلم لم يتصور عنده انقسام المدلولات إلى الوجود والعدم ، والحدوث والقدم ، وإنما المدلول العلم على كل حال ، ثم العلوم تختلف بتغاير معلوماتها . ولا خلاف [ في ] أن الأدلة تنقسم إلى الوجود والعدم ، والحدوث والقدم . واستدل من ذهب إلى أن المدلول هو العلم بأن قال : الدليل يتضمن مدلوله ويقتضيه عند أقوام ويوجبه عند آخرين ، ويولده عند المعتزلة « 1 » . وهذه الجهات كلها مستحيلة إذا قدر المدلول غير العلم ، فإنا لو قلنا : أن العالم يدل على الصانع سبحانه وتعالى ، لزمنا أن نقول : إنه يتضمنه ويقتضيه أو يوجبه ، وذلك مستحيل وفاقا ، إذ الباري سبحانه غير مقتضى ولا موجب ، فدل على أن الدليل يقتضي العلم بالصانع ، وهذا لا بعد فيه . واستدل هذا القائل أيضا بأن قال : وجوه التعلق مضبوطة عند العقلاء . منها : تعلق العلم بالمعلوم وتعلق القدرة بالمقدور إلى غير ذلك مما يأتي شرحه ، وليس تعلق الحدث بالفاعل من الوجوه المضبوطة في التعلق . ومما استدلوا به أيضا أن قالوا : العلم بالمدلول ينافي صحة النظر . قالوا : وإنما ذلك لأن ما يطلبه فهو محقق معه وإنما تطلبه المدلول ، فدل أن المدلول هو العلم الذي قام به . والذي ارتضاه القاضي « 2 » رضي اللّه عنه : أن مدلول دليل حدث العالم ، والمحيط بتعلق وجه الدليل بالمدلول يعلم المدلول والدليل على ذلك أن الأدلة العقلية تدل لأنفسها ، ودلالتها من صفات ذواتها ، وصفات الأنفس لا تزول مع بقاء الأنفس اتفاقا من العقلاء . فلو أحدث اللّه
--> ( 1 ) المعتزلة : فرقة من المتكلمين ، تؤمن بالعقل ، وتحاول التوفيق بينه وبين النقل ، وتلجأ إلى التأويل ما وسعها ، وفي هذا ما باعد بينها وبين السلف وأهل السنة ، أسسها وأصل بن عطاء الذي اعتزل بأصحابه حلقة الحسن البصري ، ومن أكبر رجاله إبراهيم النظام ، وأبو هذيل . ( 2 ) محمد بن الطيب بن محمد بن جعفر ، أبو بكر ( 338 - 403 ه - 950 - 1013 م ) قاض من كبار علماء الكلام ، انتهت إليه الرئاسة من مذهب الأشاعرة ، ولد في البصرة ، وسكن بغداد وتوفي فيها ، كان جيد الاستنباط سريع الجواب . من كتبه « إعجاز القرآن » ، « الملل والنحل » ، « هداية المرشدين » وغير ذلك . الأعلام 6 / 176 ، وفيات الأعيان 1 / 481 .